دعـوة

مسائل في الإعتصام بالكتاب والسنة -7

المسألة السابعة

الحذر من الخروج عن فهم سلف الأمة أو إجماعهم (وجوب اتباع الصحابة)

الأدلة من الكتاب:

          1- قال الله تعالى: ]وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [ (النساء:115).

 قال ابن كثير رحمه الله: أي: و من سلك غير طريق الشريعة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم فصار في شق و الشرع في شق، و ذلك عن عمدٍ منه بعد ما ظَهَر له الحق و تبين له و اتضح له، و قوله: ]وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [ هذا ملازمٌ للصفة الأولى، ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع، و قد تكون لما اجتمعت عليه الأمة المحمدية، فيما عُلم اتفاقهم عليه تحقيقاً، فإنه قد ضُمِنت لهم العصمة في اجتماعهم في الخطأ تشريفاً لهم و تعظيماً لنبيهم، و قد وردت أحاديث كثيرة في ذلك.

قال: والذي عوَّل عليه الشافعي رحمه الله في الاحتجاج على كون الإجماع حجة تحرم مخالفته هذه الآية الكريمة، بعد التَّروي والفكر الطويل، و هو من أحسن الاستنباطات و أقواها، و إن كان بعضهم قد استشكل ذلك فاستبعد الدلالة منها على ذلك.

و لهذا توعَّد الله تعالى على ذلك بقوله: ]نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ        مَصِيرًا [أي: إذا سلك هذه الطريق، جازيناه على ذلك بأن نحسنها في صدره، و نزينها استدراجاً له كما قال تعالى: ]فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ [ (القلم :44) ، وقال تعالى : ]فَلَمَّا زَاعُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ [ وقوله: ]وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ[  و جعل النار مصيره في الآخرة لأنَّ من خَرَج عن الهُدى، لم يكن له طريقٌ إلا إلى النار يوم القيامة(1).

و قال السعدي: ]وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [ و سبيلهم هو طريقهم في عقائدهم و أعمالهم،]نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى[ أي: نتركه و ما اختاره لنفسه، و نخذله فلا نوفقه للخير، لكونه رأى الحق و علمه وتركه فجزاؤه من الله عدلاً أن يبقيه في ضلاله حائراً، و يزداد ضلالاً إلى ضلاله، كما قال تعالى:  ]فَلَمَّا زَاعُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ [.. (2).

2- و قال عز وجل: ] فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ[ (البقرة:137).

قال ابن جرير: فإن صدَّقوا مثل تصديقكم، بما صدقتم به، من جميع ما عَدَدنا عليكم، من كتب الله و أنبيائه، فقد اهتدوا، فالتشبيه إنما وقع بين التصديقين و الإقرارين، اللذين هما: إيمان هؤلاء و إيمان هؤلاء(3).

فاشترط الله تعالى لصحة إيمان مَنْ يُؤمن من أهل الكتاب وغيرهم أنْ يكون إيمانه كإيمان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، و إلا فإن أعرض فقد شاقهم و خالف سبيلهم و طريقهم و منهاجهم، و سيكفي الله تعالى المؤمنين شرهم، بأن يبتليهم بأنواع العقوبات.

3- و قال سبحانه: ] وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [ (البقرة:143).

و قد أورد الإمام ابن القيم رحمه الله هذه الآية مستدلاً بها على وجوب اتباع الصحابة، ثم قال: و وجه الاستدلال بالآية أنه تعالى أخبر أنه جعلهم أمة خياراً عدولاً، هذا حقيقة الوسط، فهم خير الأمم وأعدلها في أقوالهم و أعمالهم و إرادتهم و نياتهم، و بهذا استحقوا أنْ يكونوا شهداء للرسل على أممهم يوم القيامة، و الله تعالى يقبل شهادتهم عليهم، فهم شهداؤه و لهذا نوّه بهم و رفع ذكرهم و أثنى عليهم؛ لأنه تعالى لما اتخذهم شهداء أعلم خلقه من الملائكة و غيرهم بحال هؤلاء الشهداء، و أمر ملائكته أنْ تُصلِّي عليهم و تدعو لهم وتستغفر لهم.

و الشاهد المقبول عند الله، هو الذي يَشهد بعلمٍ و صدق، فيخبر بالحق مستنداً إلى علمه به، كما قال تعالى: ]إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [ فقد يخبر الإنسان بالحق اتفاقاً من غير علمه به، و قد يعْلمه و لا يخبر به، فالشاهد المقبول عند الله هو الذي يخبر به عن علم؛ فلو كان علمهم أنْ يُفتي أحدُهم بفتوى، و تكون خطأً مخالفةً لحكم الله ورسوله، و لا يفتي غيره بالحق الذي هو حكم الله ورسوله، إما مع اشتهار فتوى الأول أو بدون اشتهارها، كانت هذه الأمة العدل الخيار، قد أطبقت على خلاف الحق، بل انقسموا قسمين: قسماً أفتى بالباطل وقسماً سكت عن الحق، و هذا من المستحيل، فإن الحق لا يَعْدُوهم ويخرج عنهم إلى مَنْ بعدهم قطعاً، ونحن نقول لمن خالف أقوالهم: لو كان خيراً ما سبقونا إليه (4).

4- قوله تعالى: ]وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [ (التوبة:100). فأخبر االله عز وجل أن أهل الرضى من هذه الأمة، هم الصحابة و المتبعون لهم بإحسان.

أما من تبعهم في شيء و خالفهم في شيء أو أشياء، فليس ممن تبعهم بإحسان. و بين الإمام ابن القيم أن هذه الآية مما احتج به الإمام مالك على وجوب اتباع الصحابة، ثم قال: فوجه الدلالة: أن الله تعالى أثنى على من اتبعهم، فإذا قالوا قولاً فاتبعهم متبعٌ عليه قبل أن يعرف صحته فهو متبعٌ لهم، فيجب أن يكون محموداً على ذلك، و أن يستحق الرضوان، و لو كان اتباعهم تقليداً محضاً كتقليد بعض المفتين، لم يستحق من اتبعهم الرضوان إلا أن يكون عامياً، فأما العلماء المجتهدون، فلا يجوز لهم اتباعهم حيئذ (5).

5- قوله تعالى:  ]يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ[  (التوبة:119).

قال ابن القيم: قال غير واحد من السلف:هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، و لا ريب أنهم أئمة الصادقين، وكل صادق بعدهم فبهم يأتمُّ في صدقه، بل حقيقة صدقه اتباعه لهم و كونه معهم، و معلومٌ أن من خالفهم في شيء ـ و إنْ وافقهم في غيره ـ لم يكن معهم فيما خالفهم فيه، و حينئذ فيصدق عليه أنه ليس معهم، فتنتفي عنه المعية المطلقة، و إن ثبت له قسطٌ من المعية فيما وافقهم فيه، فلا يصدق عليه أنه معهم بهذا القسط، وهذا كما نفى الله و رسوله الإيمان المطلق الزاني والشارب و السارق و المنتهب، بحيث لا يستحق اسم المؤمن، و إن لم ينتف عنه مطلق الاسم الذي يستحق لأجله أن يقال: معه شيء من الإيمان، ففرقٌ بين المعية المطلقة و مطلق المعية، و معلوم أن المأمور به الأول لا الثاني.. (6).

من السنة:

1- قوله صلى الله عليه وسلم في وصف الفرقة الناجية: «هي ما أَنَا عليه اليومَ وأصحابي»(7).

          2- وقوله صلى الله عليه وسلم «إنه مَنْ يَعشْ منكم فَسيَرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي و سنة الخلفاء الراشدين،عضُّوا عليها بالنواجذ» (8).

قال ابن القيم رحمه الله: فقرن سنة خلفائه بسنته، و أمر باتباعها كما أمر باتباع سنته، و بالغ في الأمر بها حتى أمر بأن يُعَضَّ عليها بالنواجذ، و هذا يتناول ما أفتوا به و سنُّوه للأمة و إن لم يتقدم من نبيهم فيه شيء، و إلا كان ذلك سنته، و يتناول ما أفتى به جميعهم أو أكثرهم أو بعضهم، لأنه علَّق ذلك بما سنَّه الخلفاء الراشدون، و معلوم أنهم لم يسُنُّوا ذلك وهم خلفاء في آن واحد، فعُلم أن ما سنَّه كل واحد منهم في وقته، فهو من سنة الخلفاء الراشدين (9).

 3- عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقتدوا باللَّذَينِ من بعدي أبي بكر و عمر، و اهتدوا بهدي عمار و تمسكوا بعهد ابن أم عبد» (10).

4- و عن عبد الله بن حنطب أن النبي صلى الله عليه وسلم  رأى أبا بكر وعمر، فقال: «هذان السمع و البصر» (11).

قال ابن القيم: أي هما مني بمنزلة السمع و البصر، أو هما من الدين بمنزلة السمع و البصر، و من المحال أن يُحرم سمعُ الدين وبصره الصواب، و يظفر به من بعدهما.

5- و عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنْ يُطع القوم أبا بكر وعمر         يَرْشُدوا» (12).

قال ابن القيم: فجعل الرشد معلقاً بطاعتهما، فلو أفتوا بالخطأ في حكمٍ و أصابه من بعدهم، لكان الرشد في خلافهما!.

و من الآثار:

1- عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إنَّ اللهَ نظرَ في قلوبِ العباد، فوجدَ قلبَ محمدٍ خير قلوب العباد، فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فاختارهم لصحبة نبيه و نصرة دينه، فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، و ما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح (13).

قال ابن القيم: و من المحال أنْ يُخطئ الحقُ في حكم الله خيرَ قلوبِ العباد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم و يظفر به من بعدهم، و أيضاً: فإن ما أفتى به أحدُهم و سكت عنه الباقون كلهم، فإما أن يكونوا قد رأوه حسناً، أو يكونوا قد رأوه قبيحاً، فإن كانوا قد رأوه حسناً فهو حسن عند الله ، وإن كانوا قد رأوه قبيحاً و لم ينكروه، لم تكن قلوبهم من خير قلوب العباد، و كان من أنكره بعدهم خيراً منهم و أعلم؛ و هذا من أبْين المحال(14).

2- و عنه رضي الله عنه قال: من كان متأسياً فليتأس بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنهم كانوا أبرّ هذه الأمة قلوباً، و أعمقها علماً، و أقومها هدياً، وأحسنها حالاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، و إقامة دينه، فاعْرفوا لهم فضلهم، واتبعوا آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم (15).

قال ابن القيم: ومن المحال أن يحرم الله أبرَّ هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، و أقلها تكلفاً، و أقومها هدياً، الصوابَ في أحكامه، ويوفّق له من بعدهم.

4- و عن حذيفة أنه كان يقول: اتقوا الله يا معشر القراء، وخذوا طريق من كان قبلكم، فلعمري لئن اتبعتموه لقد سبقتم سبقاً بعيداً، و لئن تركتموه يميناً و شمالاً، لقد ضللتم ضلالاً بعيداً (16).

قال ابن القيم: و من المحال أن يكون الصواب في غير طريق من سبق إلى كل خير على الإطلاق.

4- و عن ابن المسيب أنه رأى رجلاً يصلي بعد طلوع الفجر من ركعتين، يكثر فيها الركوع، فنهاه، فقال: يا أبا محمد، يعذبني الله على الصلاة؟! قال: لا، و لكن يعذبك على خلاف السنة (17).

          5- و كان ابن عون يقول: رحم الله رجلاً لزم هذا الأثر ورضي به، وإن استثقله و استبطأه (18).      

6- و قال الشافعي رحمه الله تعالى: من قال بما تقول به جماعة المسلمين فقد لزم جماعتهم، و من خالفَ ما تقول به جماعة المسلمين فقد خالف جماعتهم التي أُمر بلزومها، و إنما تكون الغفلة في الفُرقة، فأما الجماعة فلا يمكن فيها كافة غفلةٌ عن معنى كتابٍ و لا سنةٍ و لا قياسٍ إن شاء الله (19).

7- و قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم و الاقتداء بهم، و ترك البدع، و كل بدعة فهي ضلالة (20).

8- و قال أبو الحسن البربهاري: و اعلم رحمك الله أنه لا يتم إسلام عبد حتى يكون متبعاً مصدقاً مسلماً، فمن زعم أنه قد بقي شيء من أمر الإسلام لم يكفوناه أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فقد كذبهم، و كفى به فرقه، وطعنا عليهم، و هو مبتدع ضال محدث في الإسلام ما ليس فيه(21).

فلا يتم إسلامنا، و لا يكمل إيماننا، حتى نتبع سلف أمتنا، عقيدةً و شريعةً و خُلُقاً، فلا يكفي إذاً أن نقول: نحن على الكتاب والسنة، و نسكت!

 ______________

الهوامش

 

1-تفسير ابن كثير (1/394) بتحقيقنا.

2-تيسير الكريم الرحمن (2/78).

3-جامع البيان (1/443).

4-أعلام الموقعين (4/123). وقد ساق فصلا طويلا مفيدا في هذه المسألة.

5-أعلام الموقعين(4/123،124) .

6-المصدر السابق (4/132).باختصار يسير.

7-حديث صحيح لطرقه ، رواه أصحاب السنن إلا النسائي ، وأحمد وغيرهم من طرق كثيرة، انظر الصحيحة للشيخ الألباني (203،204،4192) .

8-سبق تخريجه.

9-أعلام الموقعين (4/140).

10-حديث صحيح ، رواه الترمذي (4075) وابن أم عبد هو:عبد الله بن مسعود رضي الله عنه .

11-حديث صحيح ، رواه الترمذي (3935)،والحاكم (3/69).

12-رواه مسلم .

13-إسناده حسن ، رواه أحمد (1/379) ، أبو داود الطيالسي ، وصحح الشيخ أحمد الشاكر إسناده (3600) .

14-أعلام الموقعين (4/138) .

15-حسن ، رواه ابن عبد البر (1810) وعزاه ابن القيم إلى الإمام أحمد في الأعلام (4/139) . وله شاهد من قول ابن عمر رضي الله عنه في الحلية (1/305،306) .

16-أخرجه البخاري في الاعتصام (13/250) وابن عبد البر (1809) واللفظ له.

17-رواه البيهقي ، وصححه الألباني في الإرواء (2/236) .

18-رواه ابن بطة في الإبانة (291) . وتسمعفي زماننا من يقول : طريق السلف طريق طويل ، فمتى نقيم دولة الإسلام ! سبحان الله القائل : [تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ].

19-الرسالة ( ص475،476 ) .

20-أصول السنة للإمام أحمد (ص25،30) .

21-شرح السنة (ص70) .

 

زر الذهاب إلى الأعلى