دعـوة

مسائل في الإعتصام بالكتاب والسنة -9

المسألة التاسعة

حُسن النية لا يصحح العمل، إذا لم يوافق الكتاب و السنة

الأدلة من الكتاب:

          1- قال الله عز وجل: ]قُلْ هَلْ نُنَبِّئْكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا * الذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [ (الكهف:103-104).

قال الطبري رحمه الله: يعني بالذين أتعبوا أنفسهم في عمل يبغون به ربحاً و فضلاً، فنالوا به عطباً و هلاكاً، و لم يدركوا ما طلبوا، كالمشتري سلعة يرجو بها فضلاً و ربحاً، فخاب رجاؤه، و خسر بيعه، و وكس في الذي رجا فضله (1).

ثم روى بأسانيده عن علي و سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما: أنهم الرهبان و أصحاب الصوامع(2).

ثم روى عن علي رضي الله عنه أنه سأله عبد الله بن الكواء عن هذه الآية، فقال:أنتم يا أهل حروراء (3).

2- و مثلها قوله تبارك و تعالى: ] هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَة * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ[ (الغاشية:1-5).

قال ابن كثير: أي: قد عَمِلت عملاً كثيراً، و نصبت فيه، وصليت يوم القيامة ناراً حامية (4).

و قال البخاري: قال ابن عباس: ]عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ [: النصارى(5).

3- و قال سبحانه: ]الذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً[ (الملك:2). قال الفضيل بن عياض: ]لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً[ قال: أخلصه و أصوبه. و قال: إن العمل إذا كان خالصاً و لم يكن صواباً، لم يُقبل، و إذا كان صواباً و لم يكن خالصاً، لم يُقبل، حتى يكون خالصاً صواباً.

قال: و الخالص إذا كان لله عزوجل، و الصواب إذا كان على السُّنة.

4- قال ابن رجب: و قد دلَّ على هذا الذي قاله الفضيل، قولُ الله عز وجل: ]فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ ربِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا[ (الكهف: 11) (6).

و قال ابن كثير: ]فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ  رَبِّهِ [أي: ثوابه وجزاءه الصالح، ]فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا[ أي: ما كان موافقاً لشرع الله، ]وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [و هو الذي يراد به وجه الله وحده لا شريك له. و هذان ركنا العمل المتقبّل، لا بدَّ أن يكون خالصاً لله، صواباً على شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم  (7) .

الأدلة من السنة المطهرة:

1- عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أحدثَ في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردٌّ»(8).

و في رواية لمسلم: «مَنْ عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو ردٌّ».

قال ابن رجب: و هذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام، وهو كالميزان للأعمال في ظاهرها، كما أن حديث: «الأعمال بالنيات» ميزان للأعمال في باطنها، فكما أن كل عملٍ لا يُراد به وجه الله تعالى، فليس لعامله فيه ثواب، فكذلك كل عملٍ لا يكون عليه أمر الله ورسوله، فهو مردود على عامله، و كل من أَحدثَ في الدِّين ما لم يأذن به الله ورسوله، فليس من الدين في شيء(9).

من الآثار:

1- عن عمر رضي الله عنه قال: «إن أُناساً كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم و إن الوحي قد انقطع، و إنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيراً أمنَّاه و قرَّبناه، و ليس إلينا من أمر سريرته شيء، الله يحاسب سريرته، ومن أظهر لنا سوءاً لن نأْمنه و لم نصدّقْه، و إن قال إن سريرته حسنة»(10).

2- عن عمرو بن سلمة: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد فجاءنا أبو موسى الأشعري فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا، فجلس معنا حتى خرج، فلما خرج قمنا إليه جميعاً، فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن، إني رأيت في المسجد آنفاً أمراً أنكرته، ولمْ أَرَ والحمد لله إلا خيراً، قال: فما هو؟ فقال: إنْ عشتَ فستراه، قال: رأيتُ في المسجد قوماً حلقاً جلوساً ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رَجلٌ وفي أيديهم حصا، فيقول: كبّروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول: هلّلوا مائة، فيهلّلون مائة، و يقول: سبّحوا مائة، فيسبّحون مائة، قال: فماذا قلتَ لهم؟ قال: ما قلتُ لهم شيئاً انتظار رأيك، أو انتظار أمرك، قال: أفلا أمرتهم أنْ يَعُدُّوا سيئاتهم، و ضمنتَ لهم أن لا يضيع من حسناتهم، ثم مضى و مضينا معه حتى أتى حلقةً من تلك الحلق، فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الله حصا نَعُدُّ به التكبير والتهليل و التسبيح، قال: فُعُدُّوا سيئاتكم، فأنا ضامنٌ أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد! ما أسرع هلكتكم! هؤلاء صحابة نبيكم صلى الله عليه وسلم  متوافرون، و هذه ثيابه لم تبل و آنيته لم تُكْسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملةٍ محمدٍ، أو مفتـتحوا باب ضلالة، قالوا: و الله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير! قال: وكم من مريدٍ للخير لن يُصيبه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن قوماً يقرؤون القرآن لا يُجاوز تراقيهم، وأيم الله، ما أدري لعل أكثرهم منكم، ثم تولّى عنهم، فقال عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك الحِلَق يُطاعنوننا يوم النهروان مع الخوارج(11).

________________
الهوامش :

1-التفسير (16/26).

2-ورواه البخاري (8/425) عن سعد رضي الله عنه أنهم اليهود والنصارى .

3-المصدر السابق (16/27،28) ، وإسناده صحيح .

4-تفسير ابن كثير (4/502).

5-ذكره البخاري تعليقا (8/700) وقال الحافظ : وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة ومن طريق شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس وزاد : اليهود .

6-جامع العلوم والحكم ( 1/72) ط .مؤسسة الرسالة 1411هـ .

7-التفسير (3/108).

8-رواه البخاري في الصلح (5/301) ومسلم في الأقضية (3/1343-1344) واللفظ له .

9-جامع العلوم والحكم (1/176)

10-رواه البخاري في الشهادات (5/251) باب : الشهداء العدول ، وقول الله تعالى :[ وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ ] و [فَمَنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ ].

11-رواه الدارمي في سننه (1/68-69) .

 

زر الذهاب إلى الأعلى