دعـوة

المخرج من الفتن -1-

بقلم
محمد بن حمد الحمود النجدي
مقدمة


الحمد لله الذي جعل في كل زمان بقايا من أهل العلم ، يَدْعون من ضلَّ إلى الهُدى ، ينهونه عن الرَّدى ، يحيون بكتاب الله تعالى الموتى ، وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الجهالة والردى ، فكم من قتيلٍ لإبليس قد أحيوه ، وكم من ضالٍ تائه قد هدوه ، فما أحسن آثارهم على الناس ، ينفون عن دين الله عز وجل  تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الضالين ، الذين عقدوا ألوية البدع وأطلقوا عنان الفتنة ، يقولون على الله ، وفي الله – تعالى عما يقولون الظالمون علوا كبيرا – وفي كتابه بغير علم ، فنعوذ بالله من كل فتنة (2) .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله الأمين صلى الله عليه وسلم ، وعلى آله وصحبه الناجين أجمعين .

وبعد :

فإن من شأن الفتن أن تشتبه الأمور فيها ، ويكثر الخلط بينها ، وتزيغ الافهام والعقول ، والعصمة حينذاك إنما هي للجماعة التي يمثل العلماء رأسها ، فالواجب على الناس : الراعي والرعية الأخذ رأي العلماء ، والصدور عن عقولهم .

لأن اشتغال عموم الناس بالفتن وإبداء الرأي فيها ينتج عنه مزيد فتنةٍ ، وتفرق للأمة ، فالأمور العامة : من الأمن أو الخوف مردُّها إلى أهل العلم والرأي ، يقول الله عز وجل :]وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنهُمْ ، وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إلاَّ قَلِيلاً [( النساء : 83 ) .

قال الشيخ العلامة ابن سعدي رحمه الله : هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق ، وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة ، والمصالح العامة ، ما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين ، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم ، أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر ، بل يردونه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى أولي الأمر منهم ، أهل الرأي ، والعلم والنصح والعقل والرزَانَة ، الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدَّها ، فإن رأوا في إذاعته مصلحة ، ونشاطا للمؤمنين وسرورًا لهم ، وتحرزا من أعدائهم فعلوا ذلك ، وإن رأوا ما فيه مصلحة ، أو فيه مصلحة ولكن مضرته تزيد على مصلحته لم يذيعوه ، ولهذا  قال تعالى : ]لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ [ أي : يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة ، وعلومهم الرشيدة .

وفي هذا دليل لقاعدة مهمة وهي : أنه إذا حصل بحثٌ في أمر من الأمور ينبغي أن يوكل إلى من هو أهل لذلك ، ويجعل إلى أهله ، ولا يتقدم بين أيديهم فإنه أقرب إلى الصواب ، وأحرى للسلامة من الخطأ .

وفيه النهي عن العجلة والتسرع لنشر الأمور من حين سماعها ، والأمر بالتأمل قبل الكلام ، والنظر فيه : هل هو مصلحة ، فيقدم عليه الإنسان ، أم لا فيُحجم عنه (3) .

فالناس في الفتن والمسائل الدقيقة ، وما يتعلق بالأمور العامة للأمة ، كالأمور المتعلقة بالسياسة الشرعية ، والمنكرات العامة ونحوها ، يحتاجون إلى فقه المصالح والمفاسد ، وهذه المسائل في الغالب سبب الفتن ، وليست هي كمسائل الطهارة والصلاة والحج ونحوها التي يمكن لصغار الطلبة بل العوام أحيانا الكلام فيها ، والترجيح بين مسائلها .

وذلك أن : فهم مقاصد الشريعة لا يكون إلا باستقراء مجمل النصوص وتصرفات الشارع ، ففقه المقاصد فقه عزيز ، لا يناله كل أحد ، بل لا يصل إليه إلا من ارتقى في مدارج العلم ، واطلع على واقع الحال ، وقلَّب النظر في الاحتمالات التي يظن حدوثها .

والموازنة بين المصالح والمفاسد ، تحتاج إلى فهم للشريعة ومقاصدها وفهم للواقع ومراتب المصالح والمفاسد ، وهذا كله لا يكون إلا للعلماء (4) .

وقال الإمام النووي رحمه الله : ثم إنه إنما يأمر وينهى من كان عالما بما يأمر وينهى عنه ، وذلك يختلف باختلاف الشيء ، فإن كان من الواجبات الظاهرة ،والمحرمات المشهورة ، كالصلاة والصيام والزنا والحمر ونحوها ، فكل المسلمين علماء بها ، وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال ، ومما يتعلق بالاجتهاد ، لم يكن للعوام مدخل فيه ، ولا لهم  إنكاره ، بل ذلك للعلماء (5) .

والموضوعات التي ذكرناها ( وهي ما يتعلق بالأمور العامة للأمة كالسياسة الشرعية والمصالح والمفاسد وكذا إنكار المنكرات العامة والتكفير والخروج  والجهاد) من أهم الموضوعات التي تمس أمة الإسلام في هذه الأيام ، ويكثر فيها الجدل والنقاش بين الشباب المسلم الملتزم بدينه الحريص على الخير ، وهي موضوعات مهمة جدا ، والانحراف فيها عن جادة الصواب خطير جدا أيضا .

لذا أحببت أن أجمع فيها كلام بعض علماءنا الأفاضل من المعاصرين – حفظهم الله ورعاهم ونفع ببقائهم – الذين هم أئمة الدين وورثة النبيين ، ومن دارت الفُتيا على أقوالهم بين الأنام ، وعُنُوا بضبط قواعد الحلال والحرام .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : ومن له في الأمة لسان صدق عام بحيث يثنى عليه ويحمد في جماهير أجناس الأمة ، فهؤلاء أئمة الهدى ، ومصابيح الدُّجى (6) .

فهم الربانيون الذين يعلمون الناس الكتاب والحكمة ، ويربونهم عليهما وهم الفقهاء الحكماء الذين أمرنا الله تعالى بسؤالهم  بقوله : ]فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [ ( النحل : 43 ) .

والرجوع إليهم ، والالتفاف حولهم وسؤالهم : هو المخرج من الفتن كما سبق أن أوضحناه ، لا سيما عند كثرة الاختلاف والمختلفين ، وتشعب الطرق أمام السالكين .

والعلماء هم رأس الجماعة التي أُمرنا بلزومها وحُذِّرنا من مفارقتها ، كما في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يحل دمُ امرئ  مسلم يشهد أن لا غله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني  ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة (7) ز

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : عليكم بالجماعة ، وإياكم والفرقة ، فإن الشيطان مع الواحد ، وهو من الإثنين أبعد ، ومن أراد بُحبُوحة الجنة فليلزم الجنة ، من سرَّته حسنتُه ، وساءته سيئته فذلكم المؤمن (8) .

فمن لزم الجماعة ولم يشذْ فهو الناجي ، ومن فارق الجماعة ، وأُعجب برأيه ، وبعلمه وكثرة اتباعه ، فهو الهالك .

قال الإمام أبو بكر الآجري بعد أن ذكر الآيات والأحاديث الآمرة بلزوم الجماعة : علامة من أراد الله عز وجل به خيرا سلوك هذا الطريق : كتاب الله عز وجل ، وسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنن أصحاب رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان رحمة الله تعالى عليهم ، وما كان عليه أئمة المسلمين في كل بلد إلى آخر ما كان من العلماء ، مثل : الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل والقاسم بنسلام ومن كان على مثل طريقهم ، ومجانبة كل مذهب  لا يذهب إليه هؤلاء العلماء (9) .

وبعد هذه المقدمة – التي فيما أرى – أنها نصيحة لكل مسلم يريد لنفسه النجاة من الفتن والبلايا والرزايا في هذا العصر الممتلئ بها – نسأل الله المعفاة منها – وإدراك خيري الدنيا والآخرة ، أتركُ المجال لعلمائنا حفظهم الله تعالى ، لبيان المسائل التي أشرنا إليها سابقا ، سائلاً المولى القدير أن ينفع بها كاتبها وقارئها وسامعها وأن يعصمنا من شر الإعجاب بالنفس فإنه من المهلكات كما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، إنه سميع قريب مجيب .

والحمد لله رب العلمين

وكتبه

محمد الحمود النجدي

_____________________  

الهوامش :

(1)    وقد نشر هذا البحث في (6) حلقات في مجلة الفرقان الكويتية الغراء ابتداء من العدد ( 61 ) السنة السابعة ذو الحجة 1415 هـ مايو 1995 م وانتهاء بالعدد ( 67 ) .

(2)    من رسالة الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة إلى مسدد بن مسرهد ، أنظرها في طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى ( 1/342-345 ) .

(3)    تيسير الكريم الرحمن ( 2/ 54 – 55 ) ، وانظر : قواعد في التعامل مع العلماء ص 119 .

(4)    قواعد التعامل مع العلماء ص 121 .

(5)    شرح مسلم ( 2/23 ).

(6)    جموع الفتاوى (11/43) .

(7)    رواه البخاري في الديات (9/6) ومسلم في القسامة ( 3/1302) .

(8)    رواه الإمام أحمد (1/18) والترمذي ( 2254 ) وابن أبي عاصم في       السنة (88) من طرق عنه ، وهو صحيح .

(9)    الشريعة ص 14 .

***************************
جواب سؤال للعلامة المحدث  محمد ناصر الدين الألباني
حول التكفير وأعمال العنف
وجَّه للعلامة الألباني حفظه الله تعالى السؤال التالي (1) :

لا يخفى عليكم يا شيخ …… الساحة الأفغانية التي تكثر فيها الجماعات والفرق الضالة والتي استطاعت – وللأسف – أن تبثَّ أفكارها الخارجة عن منهج السلف الصالح في شبابنا السلفي الذي كان يجاهد في أفغانستان . . . ومن هذه الأفكار تكفير الحكام !! وإحياء السنن المهجورة كالاغتيالات !! كما يدّعون .

والآن وبعد رجوع الشباب السلفي إلى بلادهم قاموا ببث هذه الآراء والشُّبه عندنا .

وعلمنا يا شيخ أنه حصل بينكم وبين أحد الإخوان قبل عدة سنين مناقشة طويلة في مسألة التكفير ، وهذه الأشرطة تسجيلها غير واضح . لذا نود من فضيلتكم البيان في هذه المسألة ، وجزاكم الله خيرا .

الجواب : إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .

أما بعد :

الحقيقة أن مسألة التكفير ليس فقط للحكام ، بل وللمحكومين أيضا ، هي فتنة قديمة تبنتها فرقة من الفرق الإسلامية القديمة وهي المعروفة بالخوارج ، والخوارج طوائف مذكورة في كتب الفرق ، ومنها فرقة لا تزال موجودة الآن باسم آخر وهو : الإباضية .

وهؤلاء الإباضية كانوا إلى عهد قريب منطوين على أنفسهم ليس لهم أي نشاط دعوي كما يقال اليوم ، لكن منذ بضع سنين بدؤوا ينشطون وينشرون بعض الرسائل وبعض العقائد التي هي عين عقائد الخوارج القدامى ، إلا إنهم يتسترون ويتشيعون بخصلة من خصال الشيعة ، ألا وهي التُّقية .

هم يقولون نحن لسنا بالخوارج . . . وأنتم تعلمون جميعا أن الاسم لا يغير من حقائق المسميات إطلاقا ، وهؤلاء يلتقون في جملة ما يلتقون مع الخوارج في تكفير أصحاب الكبائر ، فالآن توجد بعض الجماعات التي تلتقي مع دعوة الحق في اتباع الكتاب والسنة ، لكنهم مع الأسف الشديد يقعون في الخروج عن الكتاب والسنة من جديد باسم الكتاب والسنة .

والسبب في ذلك يعود لأمرين اثنين في فهمي ونقدي ، أحدهما : هو ضحالة العلم وقلة التفقه في الدين ، والأمر الآخر : وهو مهم جدا أنهم لم يتفقهوا بالقواعد الشرعية ،والتي هي أساس الدعوة الإسلامية الصحيحة التي يعتبر كل من خرج عنها من تلك الفرق المنحرفة عن الجماعة التي أثنى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير ما حديث ،بل والتي ذكرها ربنا عز وجل دليلا واضحا بينا على أن من خرج عنها يكون قد شاق الله ورسوله ، أعني بذلك قوله عز وجل :]  وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ      مَصِيرًا [ (النساء:115) .

الله عز وجل – لأمر واضح جدا عند أهل العلم – لم يقتصر على قوله عز وجل :      ] وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى .. نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى [ لم يقل هكذا ، إنما أضاف إلى مشاققة الرسول ، اتباع غير سبيل المؤمنين ، فقال عز وجل :]  وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ  مَصِيرًا [ (النساء:115) .

إذًا اتباع غير سبيل المؤمنين وعدم اتباع سبيل المؤمنين أمر هام جدا إيجابا وسلبا ،فمن اتبع سبيل المؤمنين فهو الناجي عند رب العالمين ، ومن خالف سبيل المؤمنين فحسبه جهنم وبئس المصير .

من هنا صلت طوائف كثيرة … وكثيرة جدا . . . قديما وحديثا ، حيث إنهم لم يلتزموا سبيل المؤمنين ،وإنما ركبوا عقولهم ، بل اتبعوا أهوائهم في تفسير الكتاب والسنة ، ثم بنوا على ذلك نتائج خطيرة ، وخطيرة جدا ، من ذلك : الخروج عما كان عليه سلفنا الصالح .

هذه الفقرة من الآية الكريمة : ]وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [ لقد دندن حولها وأكدها عليه الصلاة والسلام تأكيدًا بالغا في غير ما حديث نبوي صحيح ، وهذه الأحاديث التي أنا أشير غليها – وسأذكر بعضا منها مما تساعدني فيه ذاكرتي – ليست مجهولة عند عامة المسلمين فضلا عن خاصتهم ، لكن المجهول فيها هو إنها تدل على ضرورة التزام سبيل المؤمنين في فهم الكتاب والسنة . هذه النقطة يسهو عنها كثير من الخاصة ، فضلا عن العامة ، فضلا عن هؤلاء الذين عُرفوا : بجماعة التكفير .

هؤلاء قد يكونون في قرارة نفوسهم صالحين ، وقد يكونون أيضا مخلصين ، ولكن هذا وحده غير كاف ليكون صاحبه عند الله عز وجل من الناجين المفلحين .

لا بد للمسلم أن يجمع بين أمرين اثنين : بين الإخلاص في النية لله عز وجل ، بين حسن الاتباع لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم (2).

فلا يكفي إذًا أن يكون المسلم مخلصا وجادًا فيما هو بصدده من العمل بالكتاب والسنة والدعوة إليهما ، فلا بد بالإضافة إلى ذلك أن يكون منهجه منهجا سويا سليما .

تلك الأحاديث المعروفة كما أشرت آنفا حديث الفرق الثلاث والسبعين ، ولا أحد منكم إلا ويذكره ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام : تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ،وتفرقت النصارى على اثنين وسبعين فرقة ، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة قالوا : من هي يا رسول الله ؟ قال : هي ما أنا عليه وأصحابي (3) .

نجد أن جواب النبي صلى الله عليه وسلم لأولئك الذين سألوا عن الفرقة الناجية يلتقي تماما مع الآية السابقة : ]وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ[ .

فالمؤمنون المقصودون في هذه الآية الكريمة : هم الأصحاب ، أو ما يدخل في عموم الآية : ]وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ[ هم أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم .

وفي الجواب عن ذلك السؤال عن الفرقة الناجية … ما هي … ما أوصافها ؟ قال : هي التي تكون على ما أنا عليه وأصحابي .

لم يكتف الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بـ : ما أنا عليه وقد يكون ذلك كافيا في الواقع للمسلم الذي يفهم حقا الكتاب والسنة ، ولكنه عليه الصلاة والسلام كتحقيق عملي لقوله عز وجل في حقه : ]بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [ فمن رأفته ورحمته بأصحابه وفي أتباعه أنه أوضح لهم أن علامة الفرقة الناجية : هي التي تكون على ما عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى ما عليه أصحابه من بعده .

فإذًا لا يجوز للمسلم أن يقتصر فقط في فهمه للكتاب والسنة على الوسائل التي لا بد منها … منها مثلا معرفة اللغة العربية .. منها الناسخ والمنسوخ .. وكل القواعد ..

لكن من قواعد العامة : أن يرجع في كل ذلك إلى ما كان عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنهم – كما تعلمون من كثير من الآثار ومن سيرتهم – أنهم أخلص إلى الله في العبادة وأفقه منا بالكتاب والسنة إلى غير ذلك من الخصال الحميدة التي كانوا يتخلقون بها .

هذا الحديث يلتقي مع الآية تماما ، حيث إنه ألمح عليه السلام في هذا الجواب أنه لا بد من الرجوع – ليكون المسلم من الفرقة الناجية – إلى ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم .

يشبه هذا الحديث ، حديث الخلفاء الراشدين الذي ذكر في السنن من رواية العِرْبَاض بن سارية رضي الله عنه قال : وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت مها القلوب وذرفت منها العيون ، فقلنا : أوصنا يا رسول الله ، قال : أوصيكم بالسمع والطاعة وإن وُلِّي عليكم عبد حبشي ، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين .. إلى آخر الحديث (4) .

الشاهد من هذا الحديث هو كالشاهد من جوابه عليه السلام عن السؤال السابق ، حيث حثَّ أمته في أشخاص أصحاب أن يتمسكوا بسنته ، ثم لم يقتصر على ذلك .. قال : سنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي .

إذًا لا بد لنا من أن ندندن دائما وأبدًا .. إذا أردنا أن نفهم عقيدتنا ..أن نفهم عبادتنا .. أن نفهم أخلاقنا وسلوكنا .. لا بد من أن نعود إلى سلفنا الصالح لفهم كل هذه الأمور التي لا بد منها للمسلم ، ليتحقق فيه أنه من الفرقة الناجية .

من هنا ضلَّت طوائف قديمة وحديثة ، حينما لا يلتفتون إطلاقا إلى الآية السابقة ، وإلى حديث الفرقة الناجية ،وإلى حديث سنة الخلفاء الراشدين من بعده عليه السلام ، فكان أمرا طبيعيا جدا أن ينحرفوا كما انحرف من سبقهم من المنحرفين عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومنهج السلف الصالح .

من هؤلاء الخوارج قديما وحديثا … أصل التكفير الذي برز قرنه في هذا الزمان ، الآية التي يدندنون حولها دائما وأبدا ألا وهي قوله تبارك وتعالى : ]وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [، ونعلم جميعا أن هذه الآية جاءت في خاتمتها بألفاظ ثلاثة : ]فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [ ، ]فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [ ، ]فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[.

فمن جهل الذين يحتجون بهذه الآية – اللفظ الأول منها : ]فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [ : أنهم لم يُلِموا على الأقل ببعض النصوص التي جاء فيها ذِكر لفظة الكفر ،فأخذوا لفظة الكفر في الآية على أنها تعني الخروج من الدين ، وأنه لا فرق بين هذا الذي وقع في الكفر ، وبين أولئك المشركين من اليهود والنصارى وأصحاب الملل الأخرى الخارجة عن ملة الإسلام !

بينما الكفر في لغة الكتاب والسنة لا تعني هذا الذي هم يدندنون حوله ، ويسلطون هذا الفهم الخاطئ على كثير من المسلمين ، وهم بريئون من ذاك التكفير الذي يطبقونه على هؤلاء المسلمين .

شأن لفظة التكفير من حيث إنها تدل على معنى واحد ، وهو الردة والخروج عن الملة ، شأن هذا اللفظ شأن اللفظين الآخرين الذين ذُروا في الآيتين الأخريين – الفاسقين والظالمين – فكما أنه ليس كل من وُصف بأنه كفر لا يعنى أنه ارتد عن دينه ، كذلك لا يعنى أن كل من وصف بأنه ظالم أو فاسق ، بأنه مرتد عن دينه .

هذا التنوع في معنى اللفظ هو الذي تدل عليه اللغة ، ثم الشرع الذي جاء بلغة العرب … لغة القرآن الكريم كما هو معروف .

من أجل ذلك كان من الواجب على كل من يتصدى للحكم بما أمر الله عز وجل – لست أعنى الآن الحكام ، إنما أعنى حكاما أو محكومين – من الواجب على هؤلاء أن يكونوا على علم بالكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح .

والكتاب لا يمكن فهمه – وكذا ما ضُمَّ إليه – إلا بطريق معرفة اللغة العربية معرفة خاصة ، وقد يكون إنسانا ما ليس عنده معرفة قوية أو تامة باللغة العربية ، فتساعده في استدراك هذا النقص الذي قد يشعر به في نفسه عودته إلى من قبله من العلماء ، وخاصة إذا كانوا من أهل القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية ، فرجوعه إليهم حينئذ سيكون مساعدة له لاستدراك ما قد يفوته من اللغة العربية وآدابها .

نعود الآن إلى هذه الآية : ]وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فأولَئِكَ هُمُ   الْكَافِرُونَ [ ( المائدة :44) هل من الضروري أن يكون هذا اللفظ : ]فأولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ  [أنه يعني كفرا خروجا عن الملة أم قد يعني ذلك وقد يعني ما دون ذلك ؟

هنا الدِّقة في فهم هذه الآية ، فهذه الآية الكريمة : ]فأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ [  قد تعني الخارجين عن الملة وقد تعني أنهم خرجوا عمليا عن بعض ما جاءت به الملة .. الملة الإسلامية .

يساعدنا على ذلك قبل كل شيء ترجمان القرآن ، ألا وهو عبد الله بن عباس رضي الله عنه ، لأنه من الصحابة الذين اعترف المسلمون جميعا – إلا من كان تلك الفرق الضالة – على أنه كان إماما في التفسير ولذلك سمَّاه بعض السلف من الصحابة – ولعله هو عبد الله مسعود بترجمان القرآن .

هذا الإمام في التفسير ، والصحابي الجليل ، كأنه طَرَق سمعه يومئذ ما نسمعه اليوم تماما أن هناك أناسًا يفهمون هذه الآية على ظاهرها دون التفصيل الذي أشرت إليه آنفا ، وهو أنه قد يكون ليس هو المقصود ، بالكافرين : المرتدين عن دينهم ، وقد يكون ليس هو المقصود ، وأنه ما دون ذلك ، فقال ابن عباس رضي الله عنه : ليس الأمر كما يذهبون أو كما يظنون وإنما هو كفرٌ دون كفر .

ولعله كان يعني بذلك الخوارج ، الذين خرجوا على أمير المؤمنين ، ثم كان من عواقب ذلك أنهم سفكوا دماء المسلمين ، وفعلوا فيهم ما لم يفعلوا بالمشركين ! فقال : ليس الأمر كما قالوا أو كما ظنوا ، وإنما هو كفرٌ دون كفر .. كفر دون كفر .

هذا الجواب المختصر الواضح من ترجمان القرآن في تفسير هذه الآية ، هو الذي لا يمكن أن يُفهم سواه من النصوص التي ألمحتُ  إليها آنفا في مطلع كلمتي هذه .. أن كلمة الكفر ذًكرت في كثير من النصوص مع ذلك ، تلك النصوص لا يمكن أن تفسروا به الآية .. لفظ الكفر الذي جاء في تلك النصوص لا يمكن أن يفسر بأنه يساوي الخروج من الملة .فمن ذلك مثلا الحديث المعروف في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سِباب المسلم فسوقٌ ، وقتاله كفر .. قتاله كفر عندي هو تفنن في الأسلوب العربي في التعبير ، لأنه لو قال قائل : سباب المسلم وقتاله فسوق يكون كلاما صحيحا ، لأن الفسق هو المعصية وهو الخروج عن الطاعة .

لكن الرسول عليه السلام باعتباره أفصح مَنْ نطق بالضاد قال : سباب المسلم فسوق وقتاله كفر .

ترى هل يجوز لنا أن نفسر الفقرة الأولى من هذا الحديث سباب المسلم فسوق بالفسق المذكور في اللفظ الثاني أو الثالث في الآية السابقة : ]وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [.. ]فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [ و سباب المسلم فسوق ؟

نقول : قد يكون الفسق مرادفا للكفر الذي بمعنى الخروج عن الملة ، وقد يكون الفسق مرادفا للكفر الذي لا يعني الخروج عن الملة ، وإنما يعني ما قاله ترجمان القرآن أن كفرٌ دون كفر .

وهذا الحديث يؤكد أن الكفر قد يكون بهذا المعنى ، لماذا ؟

لأن الله عز وجل ذكر في القرآن الكريم الآية المعروفة :

وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا التِي تَبْغِي حَتَى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ  ( الحجرات : 9 ) .

ذكر هنا ربُّنا عز وجل الفرقة الباغية التي تقاتل الفرقة الناجية .. الفرقة المحقة المؤمنة … ومع ذلك فما حَكَمَ عليها بالكفر ، مع أن الحديث يقول : وقتاله كفر .

إذًا قتالهم كفر : أي دون الكفر ، كما قال ابن عباس في تفسير الآية السابقة .

فقتال المسلم للمسلم بغي واعتداء وفسق وكفر ، ولكن هذا يعني أن الكفر قد يكون كفرا عمليا وقد يكون كفرا إعتقاديا ، من هنا جاء هذا التفصيل الدقيق الذي تولى بيانه وشرحه الإمام بحق شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، ومن بعده تلميذه البار ابن قيم الجوزية ، حيث إن لهم الفضل في الدندنة حول تقسيم الكفر إلى ذلك القسم الذي رفع رايته ترجمان القرآن بتلك الكلمة الجامعة الموجزة ، فابن تيمية رحمه الله وتلميذه ابن قيم الجوزية يفرقون أو يدندنون دائما بضرورة التفرقة بين الكفر الإعتقادي والكفر العملي ، وإلا وقع المسلم من حيث لا يدري في فتنة الخروج عن جماعة المسلمين التي وقع فيها الخوارج قديما ، وبعض أذنابهم حديثا .

فإذا قوله صلى الله عليه وسلم وقتاله كفر لا يعني الخروج عن الملة وأحاديث كثيرة وكثيرة جدا ، لو جمعها المتتبع لخرج منها رسالة نافعة في الحقيقة ، فيها حجة دامغة لأولئك الذين يقفون عند الآية السابقة ، ويلتزمون فقط تفسيرها بالكفر الاعتقادي ! بينما هناك نصوص كثيرة وكثيرة جدا التي فيها لفظ الكفر ولا يعني أنها تعني الخروج عن الملة .

فحسبنا الآن هذا الحديث لأنه دليل قاطع على أن قتال المسلم لأخيه المسلم هو كفر بمعنى الكفر العملي وليس بالكفر الإعتقادي .

فإذا عدنا  إلى جماعة التكفير وإطلاقهم الكفر على الحكام وعلى من يعيشون تحت رايتهم بالأولى الذين يعيشون تحت أمرتهم وتوظيفهم ،فوجهة نظرهم هي الرجوع إلى أن هؤلاء ارتكبوا المعاصي فكفروا بذلك !

من جملة الأمور التي يذكرني بها سؤال الأخ السائل آنفا ، أنني سمعت من بعض أولئك الذين كانوا من جماعة التكفير ثم هداهم الله عز وجل ، قلنا لهم : ها أنتم كفَّرتم بعض الحكام فما بالكم تكفرون مثلا أئمة المساجد ، خطباء المساجد ، مؤذني المساجد ، خدمة المساجد ، ما بالكم تكفرون أساتذة العلم الشرعي في المدارس الثانوية أو الجامعات !!

    الجواب : لأن هؤلاء رضوا بحكم هؤلاء الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله !!

يا جماعة هذا الرضى إن كان رضى قلبيا بالحكم بغير ما أنزل الله حينئذ ينقلب الكفر العملي إلى كفر إعتقادي ، فأي حاكم يحكم بغير ما أنزل الله وهو يرى أن هذا الحكم هو حكم اللائق تبنيه في هذا العصر ، وأنه لا يليق تبني الحكم الشرعي الموجود في الكتاب والسنة ، لا شك أن هذا كفره كفر إعتقادي وليس كفر عمليا ، ومن رضي بمثل هذا الحكم أيضا فليحق به .

فأنتم لا تستطيعون أن تحكموا على كل حاكم يحكم ببعض القوانين الغريبة الكافرة ، أو بكثير منها ، أنه لو سُئل لأجاب : بأن الحكم بهذه القوانين هو اللازم في العصر الحاضر ، وأنه لا يجوز الحكم بالإسلام لو سئلوا لا تستطيعون أن تقولوا بأنهم لا يجيبون بأن الحكم بما أنزل الله اليوم لا يليق وإلا لصاروا كفارا دون شك ولا ريب .

فإذا نزلنا إلى المحكومين وفيهم العلماء وفيهم الصالحون وإلى آخره ………  كيف أنتم ؟ مجرد أن تروهم يعيشون تحت حكم يشملهم كما يشملكم أنتم تماما ، لكنكم تعلنون أنهم كفار ، وهؤلاء لا يعلنون أنهم كفار  بمعنى مرتدين ، ولا أنهم يقولون : إن الحكم بما أنزل الله واجب وأن مخالفة الحكم الشرعي بمجرد العمل .. هذا لا يستلزم الحكم على هذا العالم بأنه مرتد عن دينه !

ثم قال حفظه الله تعالى :

من جملة المناقشات التي توضِّح خطأهم وضلالهم : قلنا لهم : متى يُحكم على المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وقد يصلي كثيرا أو قليلا .. متى يحكم بأنه ارتد عن دينه ؟

يكفى مرة واحدة … ولا يجب أن يعلن – سواء بلسان حاله أو بلسان مقاله – أنه مرتد عن الدين .

كانوا كما يقال : لا يحيرون جوابا .. لا يدرون الجواب !! فأضطر إلى أن أضرب لهم المثل التالي ، أقول :

قاض يحكم بالشرع … هكذا عادته … لكنه في حكومة واحدة زلَّت به القدم فحكم بخلاف الشرع ، أي أعطى الحق للظالم وحرمه للمظلوم … هل هذا حكم بغير ما أنزل الله أم لا ؟

هل تقولون بأنه كفر بمعنى الكفر … كفر ردة ؟

قالوا لا .

قلنا : لم وهو خالف الحكم بالشرع ؟

قال : لأن هذا صدر منه ذلك مرة واحدة .

قلنا : حسنا ، صدر نفس الحكم مرة ثانية أو حكم آخر لكن خالف فيه الشرع أيضا ، فهل كفر ؟

أخذتُ أكرر عليهم ثلاث مرات … متى تقول أنه كفر ؟ .. لا تستطيع أن تضع حدًّا بتعداد أحكامه التي خالف فيها الشرع .

تستطيع العكس تماما إذا علمت منه أنه في الحكم الأول استحسنه واستقبح الحكم الشرعي أن تحكم عليه بالردة .وعلى العكس من ذلك ، لو رأيت منه عشرات من الحكومات المتعددة خالف فيها الشرع . لكن قلت له: ياشيخ أنت حكمتَ بغير ما أنزل الله فلم ذلك ؟ يقول : والله خِفتُ .. خشيت على نفسي ، أو ارتشيت مثلا ، وهذا أسوأ من الأول بكثير إلى آخره … مع ذلك لا تستطيع أن تقول بكفره حتى يعلن .. يعرب عن كفره المضمر في قلبه ، أنه لا يرى الحكم بما أنزل الله عز وجل ، حينئذ تستطيع أن تقول بأنه كافر كفر ردَّة .

إذًا وخلاصة الكلام الآن : أنه لا بد من معرفة أن الكفر كالفسق والظلم .. ينقسم إلى قسمين : كفر ، ظلم ، فسق ، يخرج عن الملة ، وكل ذلك يعود إلى الاستحلال القلبي ، وخلاف ذلك يعود إلى الاستحلال العملي .

فكل العصاة وبخاصة ما فشا في هذا الزمان من استحلال الربا .. كل هذا كفر  عملي ، فلا يجوز لنا أن نكفر هؤلاء العصاة لمجرد ارتكابهم معصية واستحلالهم إياها عمليا … إلا إذا بدر منهم أو بدا منهم ما يكشف لنا عما في قرارة نفوسهم أنهم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله عقيدة ، فإذا عرفنا أنهم وقعوا في هذه المخالفة القلبية .. حكمنا حينئذ أنهم كفروا كفر ردة .

أما إذا لم نعلم ذلك فلا سبيل لنا إلى الحكم بكفرهم لأننا نخشى أن نقع في وعيد قوله عليه الصلاة والسلام : من كفر مسلما فقد باء به أحدهما (5) .

والأحاديث الواردة في هذا المعنى كثيرة … وكثيرة جدا ، نذكر بهذه المناسبة بقصة ذلك الصحابي الذي بارز مشركا ، فلما رأى المشرك أنه صار تحت ضربة سيف المسلم الصحابي قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فما بالا لها الصحابي ، وقتله ! فلما بلغ خبره النبي صلى الله عليه وسلم أنكر عليه ذلك أشد الإنكار كما تعلمون ، فاعتذر الرجل أنه ما قالها إلا خوفا من القتل ، فكان جوابه صلى الله عليه وسلم : هل شققت عن قلبه ؟!(6) .

إذًا الكفر الاعتقادي … ليس له علاقة بالعمل .. له علاقة بالقلب ، ونحن لا نستطيع أن نقول نعلم ما في قلب الفاسق .. الفاجر .. السارق .. المرابي .. إلخ … إلا إذا عبر عما في قلبه بلسانه ..أما عمله فعمله ينبئ أنه خالف الشرع مخالفة عملية .

فنحن نقول : إنك خالفت وإنك فسقت وفجرت ، لكن ما نقول : إنك كفرت وارتددت عن دينك ، حتى يظهر منه شيء يكون لنا عذر عند الله عز وجل أن نحكم بردته ، وبالتالي يأتي الحكم المعروف بالإسلام ألا وهو قوله صلى الله عليه وسلم : من بدل دينه فاقتلوه (7) .

================================

الهوامش :

(1)        نقلا عن شريط مسجل بتاريخ 12 جمادي الأولى سنة 1413 هـ الموافق 7/11/1993م .

(2)        وهو ما دلت عليه الآية الكريمة : ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) (الكهف : 110) أي : فليخلص في عبادة ربه ، وليعمل عملا موافقا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه العمل الصالح ، وما سواه ليس كذلك .

(3)        حديث صحيح مشهور ، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد وغيرهم بألفاظ متقاربة ، انظر تخريجه مبسوطا في الصحيحة لصاحب المقال برقم (203،204) وفيه رد نفيس على من ضعف الحديث من أهل الأهواء .

(4)        حديث صحيح ، رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم وغيرهم .

(5)        رواه البخاري في الأدب ( 10/514 ) ومسلم (2/49 نووي ) من حديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعا ولفظه : أيما رجل قال لأخيه : يا كافر فقد باء بها أحدهما رواه البخاري من حديث أبي هريرة أيضا بنحوه .

(6)        رواه مسلم في الإيمان ( 2/99 نووي ) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه .

(7)        رواه البخاري في الجهاد (6/149) وفي استتابة المرتدين ( 12/267 ) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما .

زر الذهاب إلى الأعلى