متى يحكم على الناس بالكفر؟
السؤال (148):
في بلادنا الهند صنف من الناس يصلون ويصومون ويقرون بأركان الإيمان والإسلام ، ومع ذلك يزورون القبور ويستغيثون بالأموات، نعرف أن هذا العمل شرك، هل يُعتبرون كمشركي مكة الذين لم يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟
وهل يجوز صلاة الجنازة عليهم والاستغفار لهم ؟ نرجو منكم الإفادة مع ذكر الأدلة ،،،
جزاكم الله خيراً.
الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وآله وصحبه ،،،
وبعد:
فأولاً: يجب أن يعلم أن التكفير حق الله تعالى ، فليس للإنسان أن يُكفِّر إلا من كفَّره الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فيجب التثبت فيه غاية التثبت ، فلا يُكفر ولا يُفسق إلا من دل الكتاب والسنة على كفره أو فسقه.
والأصل في المسلم الظاهر العدالة ، إسلامه وعدالته حتى يتحقق زوال ذلك عنه بالدليل الشرعي.
ثانياً: لا بد من تحقق شروط التكفير أو التفسيق في حق من دل الكتاب والسنة على كفره أو فسقه، ومن أهم الشروط أن يكون عالماً بأن ما يعمله أو يقوله كفر أو فسق، قال تعالى: {و من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى و يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى و نُصله جهنم و ساءتْ مصيراً} (النساء: 115).
وقال: {وَمَا كَانَ اللهُ ليُضِلَّ قوماً بَعد إذ هداهم حَتَّى يُبيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَليمٌ} (التوبة: 115).
وقال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} (الإسراء: 15).
وغيرها من الآيات التي تبين أن الله لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه ، وزوال الشبهة عنه، فيعرف طريق الهدى من الضلالة.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
«والتكفير من الوعيد، فإنه وإن كان القولُ تكذيباً لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم ، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفرُ بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده مُعارض آخر أوجب تأويلها، وإن كان مخطئاً.
وكنت دائماً أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال: «إذا متُّ فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذروني في اليم، فوالله لإن قدر الله عليَّ ليعذبني عذاباً ما عذَّبه أحداً من العالمين، ففعلوا به ذلك، فقال الله له: ما حملك على ما فعلت، قال: خشيتك. فغفر له».
فهذا رجل قد شك في قدرة الله ، وفي إعادته إذا ذُريَ، بل اعتقد أنه لا يعاد! وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلاً لا يعلم ذلك، وكان مؤمناً يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك، والمتأول من أهل الاجتهاد، الحريص على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم أولى بالمغفرة من ذلك». مجموع الفتاوى(3/ 231).
وبنحوه قال الإمام ابن قدامة في المغني (الجزء الثاني عشر/ كتاب المرتد).
وكذلك الناسي والمتأول والمكره حكمه حكم الجاهل، قال الله تعالى: {رّبَّنّا لا تٍؤّاخٌذًنّا إن نَّسٌينّا أّوً أّخًطّأًنّا} (البقرة: 286). قال تعالى في الحديث الصحيح: «قد فعلت» رواه مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم : «إنَّ الله تعالى وضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطأ والنِّسْيَانَ ومَا استُكْرِهُوا عليهِ» رواه ابن ماجة من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «إنَّ المتأول الذي قصده متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم لا يكفر، بل ولا يفسق ، إذا اجتهد فأخطأ ، وهذا مشهور عند الناس في المسائل العلمية.
وأما مسائل العقائد فكثير من الناس كفَّر المخطئين فيها، وهذا القول لا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا عن أحد من أئمة المسلمين، وإنما هو في الأصل من أقوال أهل البدع، الذين يبتدعون بدعةً ويُكفرون من خالفهم كالخوارج والمعتزلة والجهمية ، ووقع ذلك في كثير من أتباع الأئمة ، كبعض أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم».
وقال: «ولكن قد ينقل عن أحدهم أنه كفر من قال بعض الأقوال ، ويكون مقصوده أن هذا القول كفر ليُحذر، ولا يلزم إذا كان القول كفراً أن يكفر كل من قاله مع الجهل والتأويل ، فإن ثبوت الكفر في حق الشخص المعين، كثبوت الوعيد في الآخرة في حقه، وذلك له شروط وموانع ، كما بسطناه في موضعه.
وإذا لم يكونوا في نفس الأمر كفاراً لم يكونوا منافقين ، فيكونون من المؤمنين ، فيستغفر لهم ويترحم عليهم» منهاج السنة النبوية (5/ 239 – 240).
فإذا كان هؤلاء جهلة لم تقم عليهم حجة الله تعالى الرسالية ، أو كانوا يظنون أن هذا من الدين ، ويلبس عليهم مشايخهم بذلك، فلا يحكم بكفرهم ولا يمنعون من الحج، ويجوز الصلاة عليهم إذا ماتوا، ويجب على الدعاة في تلك المناطق دعوتهم إلى الدين الحق والتوحيد، بالحكمة والموعظة الحسنة ، والجدال بالتي هي أحسن ، ودعاء الله لهم بالهداية ،،،
والله تعالى أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم