من آداب الأفراح
السؤال (101)
هل يجوز لمجموعة من النساء تسجيل أصواتهن مع الضرب بالدف على شريط يتداول في الأعراس بين النساء ، للاستغناء عن الإتيان بالمغنيات بالأجرة ؟
الجواب :
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين .
وبعد :
فمن السنة أن يعلن النكاح ويضرب فيه الدف ، ويغني فيه البنات بالغناء المباح دون فحش ولا فجور ، دلت الأحاديث الصحيحة على ذلك ، فمنها :
حديث عائشة رضي الله عنها : أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ” يا عائشة ، ما كان معكم لهو ، فإن الأنصار يُعجبهم اللهو ” رواه البخاري في النكاح (9/225) .
زاد الطبراني في الأوسط : فقال : ” فهل بعثتم معها جارية تضرب ووتغني ” قلت : تقول ماذا ؟ قال : تقول :
أتـيناكم أتـيناكـم فـحيَّانا وحيَّاكم
ولولا الذهب الأحمـر ما حلت بواديكم
ولو لا الحنطة السمراء ما سمنت عذاريكم
والجارية هي البنت الصغيرة .
وعن أبي بلج يحيى بن سليم قال: قلت لمحمد بن حاطب : تزوجت امرأتين ، ما كان في واحدة منها صوت ! يعني دُفا ، فقال محمد رضي الله عنه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” فصل ما بين الحلال والحرام : الصوت بالدف “.
رواه الترمذي (1100) وحسنه النسائي(3154،3155) وابن ماجة (1896) ورواه أحمد (3/418) . وغيرها من الأحاديث .
لكن دلت السنة على أن الذي يغني فيها ويضرب بالدف ، إنما هن البنات الصغيرات ( الجواري ) لا النساء الكبيرات .
فقد قالت الربيع بنت معوذ رضي الله عنها : جاء النبي صلى الله عليه وسلم يدخل عليَّ حين بُني عليَّ ، فجلس على فراشي كمجلسك مني ، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ، ويندبن من قُتل من آبائي يوم بدر ، إذ قالت إحداهن : وفينا نبي يعلم ما في غد ، فقال : ” دعي هذه ، وقولي بالذي كنت تقولين ” .
رواه البخاري (9/202) وابن ماجة (1897) وأحمد (6/359-360).
وفي رواية ابن ماجة : ” وعندي جاريتان تغنيان ” .
وكذا الحال في الأعياد .
فعن عائشة رضي الله عنها قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بُعاث – وفي رواية : ليستا بمغنيتين – فاضطجع على الفراش وحوَّل وجهه ، ودخل أبو بكر فانتهرني وقال : مزمارة الشيطان عند النبي صلى الله عليه وسلم ! فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ” دعهما ” ، فلما غفل غمزتهما فخرجتا .
رواه البخاري في العيدين (2/440) ومواضع أخر .
قال القرطبي : قولها (( ليستا بمغنتين )) أي : ليستا ممن يعرف الغناء كما يعرفه المغنيات المعروفات بذلك ، وهذا منها تحرز عن الغناء المعتاد عند المشتهرين به ، وهو الذي يحرك الساكن ويبعث الكامن ، وهذا النوع إذا كان في شعر فيه وصف محاسن النساء والخمر ، وغيرهما من الأمور المحرمة ، لا يختلف في تحريمه . ( الفتح :2/443) .
وقال الحافظ : لا يلزم من إباحة الضرب بالدف في العرس ونحوه ، إباحة غيره من الآلات كالعود ونحوه .
قال : واستدل به على جواز سماع صوت الجارية بالغناء ، ولو لم تكن مملوكة ، لأنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر على أبي بكر سماعه بل أنكره إنكاره ، واستمرتا إلى أن أشارت إليهما عائشة بالخروج ، ولا يخفى أن محل الجواز ، ما إذا أُمنت الفتنة بذلك ، والله أعلم . انتهى .
أما سماع الرجال صوت المرأة البالغة بالغناء ، فلا شك أنه محرم ، لأنه فتنة ومدعاة للشر وتعلق القلب بها.
وعن أنس بن مالك : أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ ببعض المدينة ، فإذا هو بجوار يضربن بدفهن ويتغنين ويقلن :
نحن جوار من بني النجار يا حبذا محمد من جار
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ” الله يعلم إني لأُحبكنَّ ” رواه البخاري .
وهذا كله مما يبين أنه لم يكن يجهر بالغناء إلا الصغيرات من البنات ، لا النساء البالغات .
وقد ورد ما يدل على حرمة غناء المرأة البالغة عند الرجال ، في قوله صلى الله عليه وسلم : ” سيكون في آخر الزمان خسف وقذف ومسخ ” قيل : ومتى ذلك يا رسول الله ؟ قال: ” إذا ظهرت المعازف والقينات ، واستحلت الخمر ” .
رواه الطبراني في الكبير (5810) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه .
والقينات : هن الإماء المغنيات .
وعلى ذلك فلا يجوز أن تسجيل أصوات النساء في شريط ، لأن احتمال وقوعه بأيدي الرجال وارد ، وإنما تسجل فيه أصوات البنات الصغيرات .
والله سبحانه أعلم .
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .