دعوة

صفات اليهود في القرآن الكريم والسنة النبوية ( 5 )

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على رسوله الأمين
وآله وصحبه والتابعين ،،،
ذكرنا فيما مضى شيئا من صفات اليهود في القرآن الكريم والسنة النبوية ، وها نحن نستكمل ما ورد من صفاتهم في القرآن الكريم ، والسنة النبوية ، وأقوال سلف الأمة ، وهي خير مصدر يعرفنا بشخصية اليهود وتركيبهم النفسي ، وهي وقفات موجزة مع سمات شخصيتهم :

7- التطاول على ذات الله تعالى :

لقد بلغ من عتو اليهود وشرهم ، أنه لم يسلم أحد من شرهم وإيذائهم وافترائهم ، حتى ذات الله جل جلاله وتقدست أسماؤه ، حيث جاء في القرآن بعض ما وصفوا به ربهم ، مما لا يليق به وبجلاله وكماله وجماله .
فمن ذلك قول عز وجل عنهم ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ) (المائدة: 64) .
ففي الآية إخبار عن مقالة اليهود الشنيعة ، عليهم لعائن الله ، حيث قالوا : إن يد الله تعالى مغلولة ، أي موثقة ، يعني : عن الخير والإعطاء ، أي وصفوه بالبخل ! تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا .
وقد رد الله تعالى عليهم ما قالوه وافتروه واختلقوه ، فقال ( غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا ) وهذا دعاء عليهم بجنس مقالتهم ، وهكذا وقع لهم ، وانطبق عليهم ،  فإن عندهم من البخل والحسد والجبن ، ما ليس عند غيرهم من خلق الله تعالى .
قال السعدي : فكانوا أبخل الناس ، وأقلهم إحسانا ، وأسوأهم ظنا بالله ، وأبعدهم عن رحمته التي وسعت كل شيء ، وملأت أقطار العالم العلوي والسفلي اهـ

ثم قال تعالى ردا عليهم ( بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ) قال الحافظ ابن كثير : أي :  بل هو الواسع الفضل ، الجزيل العطاء ، الذي ما شيء إلا  عنده خزائنه ، وهو الذي ما بخلقه من نعمة فمنه وحده لا شريك له ، الذي خلق لنا كل شيء مما نحتاج إليه ،  في ليلنا ونهارنا ، وحضرنا وسفرنا ، وفي جميع أحوالنا ، كما قال ( وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار ) والآيات في هذه كثيرة اهـ .
فيده سبحانه سحاء الليل والنهار – كما ورد في الحديث الصحيح –  مدرارا في جميع الأوقات والأحوال ،  بل خيره وبره عم الجميع ، البر والفاجر ، والمؤمن والكافر ، كلاهما يرتع في خيره ورزقه وفضله ، لا يمنع منه عاصيا  ، وفضله على أوليائه أعظم وأبقى .
فسبحان الملك العظيم ، البر الكريم ، لا نحصي ثناء عليه ، بل هو كما أثنى على نفسه تعالى ، وقبح من  وصف ربه بما لا يليق بعظمته وكبريائه .
ومن تطاولهم على ربهم أيضا : قولهم عن الله تعالى شأنه  بأنه : فقير!! فيقول سبحانه فيهم ( لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق ) ( آل عمران : 181) .
وهذه مقالة شنيعة أخرى يذكرها الله عن هؤلاء المتمردين ، وأخبر أنه سمعها منهم ، وأنه سيكتبها عليهم ويحفظها – وهو تهديد لهم ووعيد – مع أفعال أخرى لهم شنيعة ، وهي قتلهم الأنبياء البررة النصحة لهم ، وأنه سيجازيهم على ذلك العذاب الأليم المحرق .

روى الإمام محمد بن إسحاق بسند حسن : عن ابن عباس رضي الله عنه قال : دخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه بيت المدارس ، فوجد من يهود أناساً كثيراً قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فنحاص , وكان من علمائهم وأحبارهم , ومعه حبر يقال له أشيع , فقال له أبو بكر : ويحك يا فنحاص اتق الله وأسلم , فو الله إنك لتعلم أن محمدا رسول الله قد جاءكم بالحق من عنده , تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل , فقال فنحاص : والله يا أبا بكر ، ما بنا إلى الله من حاجة من فقر ، وإنه إلينا لفقير ! ما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا ! وإنا عنه لأغنياء ! ولو كان عنا غنيا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم ؟! ينهاكم عن الربا ويعطناه , ولو كان غنيا ما أعطانا الربا !! فغضب أبو بكر رضي الله عنه فضرب وجه فنحاص ضربا شديداً , وقال : والذي نفسي بيده ، لولا الذي بيننا وبينك من العهد لضربت عنقك يا عدو الله , فأكذبونا ما استطعتم إن كنتم صادقين . فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد ، أبصر ما صنع بي صاحبك , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : ” ما حملك على ما صنعت ؟ ” فقال : يا رسول الله ، إن عدو الله قد قال قولا عظيما , زعم أن الله فقير وأنهم عنه أغنياء , فلما قال ذلك , غضبت لله مما قال فضربت وجهه , فجحد فنحاص ذلك وقال : ما قلت ذلك فأنزل الله فيما قال فنحاص ردا عليه ، وتصديقاً لأبي بكر { لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء } الآية [ آل عمران : 181] . ( رواه ابن أبي حاتم – انظر حسن التحرير 1/ 309 ) .

ومن سوء أدبهم مع الله تعالى ومع رسله أيضا : ما حكاه الله عنهم من ردهم القبيح ، وفي نكولهم عن الجهاد مع موسى عليه الصلاة والسلام ، وتخلفهم عن نصرة دينهم ، وقتال عدوهم ، في قوله  سبحانه { قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون } ( المائدة : 24 ) .
فما أشنع وأقبح هذا الكلام ؟! الموجه منهم لله تعالى ورسوله ، في مقام حرج ، وحال ضيق ، دعاهم فيه إلى نصرة الله ورسوله ودينه .
في حين قال الصحابة الكرام لرسولهم صلى الله عليه وسلم حين استشارهم للقتال يوم بدر ولم يكن واجبا عليهم ، قالوا له : والله يا رسول الله ، لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ( اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ) وكنا نقاتل عن يمينك وعن يسارك ، ومن بيدك ومن خلفك ، فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرق لذلك وسر بذلك . رواه البخاري وأحمد
وفي رواية لأحمد والنسائي : ” قالت الأنصار : والذي بعثك بالحق ، لو ضربت أكبادها إلى برك الغماد لاتبعناك “.

ومن سوء أدبهم  مع ربهم : أنهم طلبوا – وبكل وقاحة وجهالة – من نبيهم موسى عليه السلام أن يريهم الله تعالى جهرة وعلانية !! وهو مما لا يطاق ولا يستطاع لهم كما هو معلوم ، وذلك بعد أن تبينت لهم آيات الله عز وجل ، وآمنوا به وبرسوله عليه السلام ،  قال سبحانه في ذلك ( وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ) ( البقرة : 55 ).
أي : لن نؤمن لك حتى نرى الله عيانا ، برفع الساتر بيننا وبينه ، وكشف الغطاء دوننا ودونه حتى ننظر إليه بأبصارنا ، فأخذتهم الصاعقة ، صوتا كان ذلك أو نارا أو زلزلة أو رجفا ، قاله ابن جرير وأهل التفسير .
وقال تعالى أيضا في ذلك ( يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى  أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ) {النساء : 153}.
فقوله تعالى ( فقد سألوا موسى  أكبر من ذلك ) توبيخ من الله جل ثناؤه ، وتقريع لهم ، لجهلهم بالله العظيم الخالق البارىء ، ونقص عقولهم ، وجرأتهم عليه ، واغترارهم بحلمه عنهم ، وصبره عليهم ، وتوضيح ذلك  لهذه الأمة وغيرها من الناس ، ألا يقعوا فيما وقعوا فيه من هذا الذنب الذي استحقوا به عقوبة الله سبحانه بالصاعقة المهلكة .

ومن ذلك أيضا : قال الله تعالى ( وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى  اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون ) {الأعراف : 138}.
وذلك بعد أن أنجاهم الله سبحانه من عدوهم ، من فرعون وقومه ، وأهلكهم الله وبنو إسرائيل ينظرون .
وذلك من كفرهم بالله تعالى وجهلهم وسفههم .

قال السعدي : وأي جهل أعظم من جهل الإنسان ربه وخالقه ، وأراد أن يسوي به غيره ، ممن لا يملك نفعا ولا ضرا ، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ؟!
ولهذا قال لهم موسى ( إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون ) لأن دعاءهم إياها باطل ، وهي باطلة بنفسها ، فالعمل باطل ، وغايته باطلة .
( قال أغير الله أبغيكم إلها ) أي : أطلب لكم إلها غير الله المألوه الكامل في ذاته ، وصفاته وأفعاله ( وهو فضلكم على العالمين ) فيقتضي أن تقابلوا فضله ، وتفضيله بالشكر ، وذلك بإفراد الله وحده بالعبادة ، والكفر بما يدعى من دونه  اهـ

 

زر الذهاب إلى الأعلى