أرشيف الفتاوىفتاوى

أهمية العلم بـ”أحكام القرآن”

أهمية العلم بـ"أحكام القرآن"

أهمية العلم بـ”أحكام القرآن”

 السؤال: ما أهمية العلم بـأحكام القرآن الكريم؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

وبعد:

فيُعدُّ المَقْصد التشريعي في القرآن الكريم؛ من أهمّ المَقَاصد التي نَزَلَ القرآن مِنْ أجلها، وهو أمرٌ أجمعَتْ عليه الأمّة، فاتخذَتْ مِنَ القرآن الكريم المَصدر الأول للتّشريع، فكان قطب الرَّحى الذي تدور عليه أحْكام الشريعة، ويَنْبوع ينابيعها، والمأخذ الذي اشتقَّتْ منه أصُولها وفُروعها، وهذا المعنى تؤكّده نصوصٌ قرآنية وحديثية كثيرة.

فمن ذلك: قوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ) النحل: 89.

قال مجاهد في معنى (كلّ شيء): كلّ حلالٍ وكلّ حرام. “تفسير القرآن العظيم” لابن كثير.

وقد قال الشافعي: فليستْ تنزل بأحدٍ مِنْ أهلِ دين الله نازلة؛ إلَّا وفي كتابِ الله الدليل على سَبيل الهُدى فيها، قال الله تبارك وتعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) إبراهيم: 1. انتهى.

وأيضاً: فقد قال صلى الله عليه وسلم: “يَؤُمّ القومَ أقرؤهم لكتابِ الله”. رواه مسلم.

وما ذاك إلا لأنَّه أعلم بأحْكام الله في الصّلاة وغيرها؛ فالعالمُ بالقرآن، عالمٌ بجُملة الشّريعة.

وهذا الجانب التَّشريعي مِنَ القرآن الكريم، الذي اهتمَّ به علماء التفسير فيما يُعرف: بالتفسير الفقهي، أو تفسير الأحْكام.

والتفسير الفِقهي مُرَكَّبٌ مِنَ: التّفسير، والفِقه.

أمَّا التّفسير: فهو عِلمٌ يُفهَم به كتاب الله المُنزَّل على نبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم، وبيان معانيه، واسْتخراج أحْكامه وحِكَمه.

وأمَّا الفقه: فهو العلمُ بالأحْكام الشَّرعية العملية، المُكتسبة مِنْ أدلتها التَّفْصيلية.

وعليه فالتفسير الفقهي: هو تفسير ما له صِلةٌ بالأحْكام الشّرعيّة العَمَليّة في القرآن الكريم، وهو ما يسمَّى تارة بآيات الأحْكام، وتارة فقه الكتاب الكريم.

وهذه الأمر مِنَ المسلَّمات لدى المسلمين المؤمنين.

أمَّا أنْصار الاتّجاه العلماني؟! فإنَّهم يبذلون جهداً لنفي المَقْصد التشريعي عن القرآن العظيم، إمّا كليّاً أو جزئيّاً؛ ليَفصلوا بين القرآن والحياة؟!

فلا يُعْطون للقرآن أكثر مِن أنّه كتابُ تعبدٍ وشعائر دينية فقط؟!

لتحلّ محلّه القوانين الوضعية؟!

والحقُّ الذي لا مِرْية فيه، أنَّ القرآن الكريم تَعرَّض في آياته؛ إلى جميعِ ما يَصْدر عن الإنسان منْ أعمال: من العبادات كالصلاة والصوم والزكاة والحج وغيرها، إلى الأمور المدنيّة كبيع وإجارةٍ ورِباً، إلى الأمور الجنائية مِنْ قتل وسرقة وزِنًا وقطع طريق، إلى نظام الأسْرة مِنْ زواجٍ وطلاقٍ وميراث، إلى الشُّؤون الدوليّة كالقتال وعلاقة المسلمين بالكفار، وما بينهم مِنْ سلم وحرب، وعهود ومواثيق.

والحاجة إلى التفسير الفِقْهي؛ لا تَبرز إلا بدرجة احْتكامنا للقرآن الكريم، ونظراً لكون أحْكام الشريعة مُعطَّلة في أغلب الدول الإسْلامية؛ فإنّ ذلك انْعَكس على المَباحث الفقهية، ومنْها التّفسير الفقهي، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وفي هذا الوقت الذي يتزايد فيه إقبالُ الناس على ما يُسمَّى بالتفسير العِلْمي، وهو الذي يُعْنَى بتتبُّع الآيات الكونية، في السماء والأرض، والمُخْترعات العَصْرية، وتفسيرها على ضَوء العلوم الحديثة، وما تُقرره مراكز البحث منْ مَعارف وحقائق عِلمية، فإنّ لَفْتَ الانتباه إلى الجانب التشريعي في القرآن الكريم؛ يُعدُّ خُطوة منْهجية هامّة لا يمكن تجاوزها، وعلم مُبارك لا يجوز إغفاله أو إهماله أو نسيانه.

وفي ذلك مؤلفات كثيرة: مثل تفسير الإمام الطبري، وأحْكام القرآن للجَصّاص، والألكيا الهرّاسي، وابن العربي المالكي، وأحْكام القرآن للشافعي جمع الحافظ البيهقي، وغيرها.

ولنا درس أسبوعي فيه كل ثلاثاء بعد صلاة الظهر، ولله الحمد.

وكذا القرطبي في تفسيره.

كما عُنِيَ العلماءُ بِجَمع الأحاديث النبويّة التي اشْتملت على الأحْكام، مثل: “عُمْدة الأحْكام” للمقدسي، و”بُلوغ المَرام مِنْ أدلة الأحْكام” لابن حجر العسقلاني، وغيرها، وهي مَشْهورة بين طلبة العلم.

والله تعالى أعلم،،،

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين

زر الذهاب إلى الأعلى