أرشيف الفتاوىفتاوى

وضْعُ اليدين على الْصَّدر في الصَّلاة

وضْعُ اليدين على الْصَّدر في الصَّلاة

وضْعُ اليدين على الْصَّدر في الصَّلاة

 

السؤال: أين يضع المُصلي يديه في الصلاة؟

الجواب:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد:

فقد ثبت في هذه المسألة أحاديث:

أولها: حديث وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ رضي الله عنه قَالَ: “صَلَّيْتُ مَعَ اَلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَوَضَعَ يَدَهُ اَلْيُمْنَى عَلَى يَدِهِ اَلْيُسْرَى عَلَى صَدْرِهِ”. رواه ابن خزيمة (479).

وأصله في مسلم دون قوله: “على صَدْرِه”.

قال الألباني رحمه الله في تعليقه على صحيح ابن خزيمة: إسناده ضعيف، لأنّ مُؤمّلاً وهو ابن اسماعيل سَيئ الحفظ، لكن الحديث صحيح، جاء مِنْ طُرقٍ أخْرَى بمعناه، وفي الوضع على الصدر أحاديث تشهد له.

وقال رحمه الله في أحكام الجنائز (1/ 118): صحيحٌ بشواهده.

– وقال المباركفوري: “فالحاصلُ أنَّ حديثَ وائل بن حجْر صحيح، قابل للاحتِجاج والاستِدلال به على وضْع اليدين على الصَّدر في الصَّلاة، تامّ صحيح”.

– الثاني: عن طاووس رحمه الله قال: “كانَ رسُول الله صلى الله عليه وسلم يضعُ يَدَه اليُمنى على يده اليُسْرى، ثمَّ يشدّ بيْنَهما على صَدْره، وهو في الصّلاة”.

رواه أبو داود (759) وصححه الألباني رحمه الله في الإرواء (2/ 71) بشواهده.

– الثالث: وعن قبيصة بن هلب عن أبيه قال: كان رسُول الله صلى الله عليه وسلم يُؤمّنا، فيأخذ شماله بيمينه.

رواه الترمذي (252) وقال: وفي الباب عن وائل بن حُجْر، وغطيف بن الحارث، وابن عباس، وابن مسعود، وسهل بن سعد. قال أبو عيسى: حديث هلب حديث حسن، والعمل على هذا عند أهل العلم مِنْ أصْحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم، يَرونَ أنْ يضعَ الرّجلُ يمينه على شماله في الصلاة. ورأى بعضُهم: أنْ يَضَعهما فوق السُّرّة، ورأى بعضُهم: أنْ يَضعهما تحتَ السّرة، وكل ذلك واسعٌ عندهم. واسم هلب: يزيد بن قنافة الطائي. انتهى.

– وقد ورد ذلك عن الصّحابة والتابعين أيضاً:

1- فعن عقبة بن ظبيان: عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ) الكوثر: 2. قالَ: وضع يَدِهِ اليُمْنى عَلى وسَطِ ساعِدِهِ اليُسْرى، ثُمَّ وضْعُهَما عَلى صَدْرِهِ في الصَّلاةِ”.

أخْرَجَه ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُويَهَ والبَيْهَقِيُّ في “سُنَنِهِ”.

2- وعَنْ أَبِى الجَوْزَاءِ عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضِىَ اللَّهُ عَنْهما: فِى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) الكوثر: 2. قَال: وَضْعُ اليَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ فِى الصَّلاَةِ، عِنْدَ النَّحْرِ. اخرجه ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ شاهِينٍ في السَّنَةِ، والبيهقي في الكبرى.

3- وقال البيهقي: عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ قَال: أَمَرَنِى عَطَاءٌ أَنْ أَسْأَلَ سَعِيداً أَيْنَ تَكُونُ اليَدَانِ فِى الصَّلاَةِ؟ فَوْقَ السُّرَّةِ أَوْ أَسْفَلَ مِنَ السُّرَّةِ؟ فَسَأَلْتُهُ فَقَال: فَوْقَ السُّرَّةِ. يَعْنِى بِهِ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ.

وكَذَلِكَ قَالَهُ أَبُو مِجْلَزٍ لاَحِقُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَأَصَحُّ أَثَرٍ رُوِىَ فِى هَذَا الْبَابِ أَثَرُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَبِى مِجْلَزٍ.

– وقد عَملَ بهذه السَّنّة جمعٌ مِنَ الأئمة:

– منهم الإمام أحمد رحمه الله.

ففي “مسائل الإمام أحمد” (ص: 62) رواية ابنه عبد الله عنه قال: “رأيتُ أبي إذا صَلّى؛ وَضَعَ يديه إحداهما على الأخْرى فوق السُّرة”.

– وكذا الإمام إسْحاقُ بن راهويه.

فقال المروزي في “المسائل” (ص 222): “كان إسحاق يُوتر بنا … ويرفع يديه في القُنوت، ويَقْنت قبل الركوع، ويضع يديه على ثَدْيَيْهِ أو تحت الثديين”.

– ومثله قول القاضي عياض المالكي في: “مستحبات الصلاة”: “ووضْع اليُمْنى على ظاهر اليُسْرى عند النَّحر”.  كتابه “الإعلام” “ص 15 – الطبعة الثالثة”.

– وقال ابن عبد البرِّ: “رُوي عن علي بن أبي طالب أنّه وضعهما على صدره، وعن طاووس قال: “كان رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يضع يده اليمنى على يده اليسرى، ثم يشُدُّهما على صدره، وهو في الصلاة”. “التمهيد” (20/75).

– وقال ابن العربي المالكي في “أحكام القرآن” في تفسير: (فصلّ لربك وانحر) قال: ضعْ يدك اليُمنى على ساعدك اليُسرى، ثمّ ضعهما على نَحْرك. قاله ابن عباس وقاله أبو الجوزاء.

– وقال الإمام الألباني رحمه الله في “صفة صلاة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم”. (ص: 69): “وضْعُهما على الصَّدر، هو الَّذي ثبتَ في السنَّة، وخلافه إمَّا ضَعيف، أو لا أصْلَ له”. اهـ. وانظر: “أصل صفة صلاة النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم” للألباني (1/215).

– وقال السندي في “حاشية ابن ماجة”: “وبالجُمْلَة، فكما صَحَّ أنَّ الوَضْع هُوَ السُّنَّة دُون الإرْسَال، ثبَتَ أنَّ مَحَلَّه الصَّدْر لا غَيْر، وأمَّا حَدِيث: إنَّ مِن السُّنَّة وَضْع الأكُفِّ على الأكُفِّ في الصَّلاة تَحْت السُّرَّة، فقَد اتَّفَقُوا على ضعْفِه”. اهـ.

– وقال الحافظ السيوطي في “وظائف اليوم والليلة”: وكانَ يضعُ يده اليمنى على اليُسْرى، ثمّ يَشدّهما على صدره”. انتهى.

– ووضع اليدين على الصدر: قولٌ في مذهب الشافعي، ورواية في مذهب أحمد.

– وهذا القول أيضاً: هو اختيار الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين. انظر: “فتاوى نور على الدرب” لابن باز (8/148)، “مجموع فتاوى ورسائل العثيمين” (13/392)،

وصحح الحديث المرفوع من المعاصرين: الألباني، والأعظمي، والأناؤوط.

– أمّا حديث: أنّ علياً رضي الله عنه قال: “مِنَ السُّنّة وضْعُ الكفّ على الكفّ في الصّلاة، تحت السُّرة”.

فقال الحافظُ ابن حجر في “تخريج أحاديث الهداية” رادّاً على قول الحنفية: يضعهما تحت سرّته، استدلالاً بأثر عليّ رضي الله عنه. قال: وإسناد أثر عليّ ضعيف، ويعارضه حديث وائل بن حجر قال “صليتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضَعَ يده اليمنى على يدِه اليسرى على صدره”. انتهى.

وقد ضعفه الإمام الألباني رحمه الله في الإرواء (353).

* لطيفة: قول الله تعالى: (ٱسۡلُكۡ یَدَكَ فِی جَیۡبِكَ تَخۡرُجۡ بَیۡضَاۤءَ مِنۡ غَیۡرِ سُوۤءࣲ وَٱضۡمُمۡ إِلَیۡكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهۡبِ فَذَ ٰ⁠نِكَ بُرۡهَـٰنَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِی۟هِ إِنَّهُمۡ كَانُوا۟ قَوۡمࣰا فَـٰسِقِینَ) القصص: 32.

في البَغَوِيِّ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ أنْ يَضُمَّ يَدَهُ إلى صَدْرِهِ، فَذَهَبَ عَنْهُ ما نالَهُ مِنَ الخَوْفِ عِنْدَ مُعايَنَةِ الحَيَّةِ، وقال: وما مِن خائِفٍ بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ إلّا إذا وضَعَ يَدَهُ عَلى صَدْرِهِ زالَ خَوْفُهُ”. انتهى.

قالوا: والطفلُ الرّضيع إذا بكى، ووضعت يديه على صَدْره؛ سكتَ عن البُكاء.

والله تعالى أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

زر الذهاب إلى الأعلى